طرق محاربة الرشوة










نبذه عن سبب حدوث ظاهرة الرشوه وطرق التغلب عليها يعتبر المال عصب الحياة الاقتصاديّة في جميع المجتمعات المتمدّنة، فالمال هو من أهمّ الوسائل والأدوات التي يتمكّن من خلالها النّاس من تلبية متطلبات حياتهم وتحقيق الرّخاء الاقتصادي لهم، ولا شكّ بأنّ المال هو أداة ووسيلة لتحقيق مآرب الإنسان ويمكن أن يتحوّل إلى أداةٍ سلبيّة من خلال سلوكيّات اجتماعيّة سلبيّة في المجتمع حيث يلجأ البعض إلى استخدامه من أجل الإضرار بالنّاس أو شراء ذممهم أو الحصول على مكاسب معيّنة.

تمثّل الرّشوة أحد مظاهر الفساد المالي في البلد والتي تشكّل خطراً حقيقياً على منظومة المجتمع الأخلاقيّة، فتعرف على ما هى الرّشوة ؟ وتعرف على ما هى دواعي اللّجوء إليها ؟ وتعرف على ما هى الوسائل والأساليب التي يمكن من خلالها القضاء على هذه الظّاهرة المتزايدة باستمرار ؟


الرّشوة

تعرّف الرّشوة بأنّها دفع المال من قبل شخص أو عدد من الأشخاص إلى جهةٍ معيّنة قد تكون فرداً أو مؤسسة أو شركة من أجل الحصول على مكاسب غير مشروعة، أو تولّي منصب معيّن، أو لتسويغ التّهرب من التزاماتٍ قانونيّة في البلد الذي يعيش فيه الإنسان.

هذه الرّشوة قد تأخذ أشكالاً كثيرة، فقد تصدر الرّشوة من قبل أيّ فردٍ من أفراد المجتمع من أجل تحقيق مصلحة آنيّة له، وقد تكون من خلال شخصيّات عامّة وتأخذ طابع الرّشوة السّياسيّة التي يقصد منها تحقيق مصالح سياسيّة في البلد من خلال تولّي مناصب معيّنة في مجالس أو وزارات أو غير ذلك.


تحريم الرّشوة

لا شكّ بأنّ الرّشوة هي عمليّة مجرّمة في كافة الشّرائع السّماويّة والأنظمة الوضعيّة، وقد أكّد الإسلام بشريعته الرّبانيّة العادلة على تحريم الرّشوة وتجريمها تحريماً مؤكداً، ففي الحديث الشّريف عن الرّسول عليه الصّلاة والسّلام اعتبار الرّشوة كواحدةٍ من كبائر الذّنوب التي يستحق صاحبها اللّعن من الله تعالى، والملعون هو مطرودٌ من رحمة الله، وهذا اللّعن ينطبق على الرّاشي الذي يقوم بالرّشوة، والمرتشي الذي يتلقّاها ويستفيد منها، وأيّ شخصٍ يقوم بتسهيل عملية الرّشوة.


ما هى اسباب واهية للرّشوة

يتعذّر الرّاشي بأسبابٍ كثيرةٍ واهية يبرّر فيها لجوءه إلى هذا الأسلوب المجرّم، منها حاجته إلى تحقيق مكاسب ماديّة أو معنويّة أو تعزيز سلطته السّياسية أو الاقتصاديّة في البلد.


حلول للقضاء على الرشوة

  • مسؤولية الدّولة في تشريع قوانين تجرّم هذه الظّاهرة وتقضي عليها، فالقانون يجب أن يعاقب كلّ من يشارك في عملية الرّشوة عقاباً عادلاً يرتدع به غيره عن مثل هذه الأعمال وتطبيق معايير الرّقابة المالية على الأفراد وبخاصّة في المواقع الحسّاسة والهامّة في الدّولة.
  • واجب الدّعاة وخطباء المساجد والأئمة في توعية النّاس بحرمة هذه الظّاهرة، وخطورة انتشارها في المجتمع.

ذهب أحمد إلى دائرةٍ رسميةٍ في بلده لإتمام إحدى معاملاته الشّخصية ، تكلّم مع موظفي الدّائرة جميعاً ليحلّوا له إحدى الإشكالات في معاملته ، كلّهم اعتذروا عن ذلك وحجّتهم أنّ المعاملة ناقصةٌ ويجب أن يُنفّذ فيها أحد الشّروط لتكتمل ، ليتّم أخذ الإجراء عليها ، فكّر أحمد في أمره ثمّ نظر إلى أحد الموظفين وكان جالساً في ركن إحدى الغرف على مكتبه الصّغير حيث الأوراق المبعثرة وبدا لأحمد أنّ هذا الرّجل وبعد مفاهمةٍ ما سوف يقبل بإتمام معاملته والتّوسط فيها ، أقبل عليه وتكلّم معه وشرح له أمره وكيف تجشّم الصّعاب من أجل هذه المعاملة ، من استرسال الكلام مع هذا الموظف أدرك أحمد أنّ وضع هذا الموظف سيّءٌ للغاية ، فراتبه لا يكفيه لنصف الشّهر ، فبادر أحمد وأخرج رزمةً من النّقود ووضعها بخفيّةٍ في جيب الرّجل ، نظر الموظف حوله يمنةً ويسرةً ينظر هل رأى المشهد أحدٌ فلم يكن في الغرفة أحدٌ إلاّ الإثنان ، فقبل الموظف الرّشوة ووعد أحمد بإتمام المعاملة ، فهذه صورةٌ عمليةٌ للرّشوة التي انتشرت وللأسف في مجتمعاتنا وصارت منهجاً يتّبعه النّاس أحياناً لتسيير معاملاتهم بحجّة أنّها لن تسير إلاّ بهذا الشّكل والأسلوب ، والحقيقة التي لا مراء فيها أن الحقّ وطريقه فيه النّجاة والمخرج ، فمن يتقّ الله يجعل له مخرجا دائماً في أموره كلّها ويرزقه الله من غير أن يحتسب ، وإنّ أرض الله واسعة ولا عذر لأحدٍ بارتكاب ما حرّم الله سبحانه وتعالى ، فقد صحّ أنّ الهجرة إلى الله هي أن تهجر ما نهى الله عنه ، قال تعالى ( و من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً و سعة ) صدق الله العظيم .
و قد لعن الله سبحانه وتعالى الرّاشي والمرتشي فكلاهما سواءٌ في الجريمة فهذا قد سخّر ماله لأخذ حقوق لا يستحقها ، أو لانتزاع حقٍ كان غيره أولى به منه كمن يدفع لحجز مقعدٍ لابنه في الجامعة ، بل إنّ من المآسي أنّ بعض النّاس يدفع رشوةً ليخرج إلى الحجّ ، وتخيّلوا كيف ينشد من يسلك هذا الطّريق الغاية النبيلة وهي طاعة الله سبحانه وتعالى بوسيلةٍ محرمةٍ خسيسه والمرتشي آكلٌ لمال النّاس بالباطل وهذا جرمٌ كبير    
الرشوة هي أي شيء يُدفع لإبطال حق أو إحقاق باطل. ولا يُشترط أن تكون مبلغاً مادياً، فقد تكون الرشوة شيئاً عينياً، مثل أجهزة الهاتف النقال أو كمبيوتر أو حتى دعوة للعشاء. والرشوة بمجملها لا تُدفع إلا لتغيير مسار موضوع معين حسب رغبة الراشي، لأنه لو لم تُدفع لما استفاد الراشي شيئاً، ويكون هدفه غير مشروع. والرشوة من أخطر أمراض المجتمع، حيث أنها تعير موازيين الأمور؛ فيكسب من لا يستحق الكسب، ويخسر من لا يستحق الخسارة، وهذا فساد كبير لا يعود على الأمة بغير الدمار. فهو يلغي المنافسة الشريفة، ويرفعُ أقواماً على حساب أقوام دون وجه حق. ومن يدفع الرشوة يعلم تماماً أن أضعاف ما سيدفعه عائدٌ إليه وإلا ما كان دفع، فلا يُعقل أن يكون ما يدفعه مساوياً لمكسبه، وإلا لماذا الرشوة، ولكنها لن تتجاوز العُشر من أرباحه المتوقعة على أكثر تقدير.
ضِعاف الإيمان هم من يقدِّمون الرشوة، وضعاف النفوس هم من يقبلونها، وهنا من هو أشدُّ منهما ضعفاً وفساداً؛ وهو الراشي، أي الوسيط الذي يعرَّفهما على بعض ويُسهِّل لهما مهمة إتمام دفع الرشوة. وفي هذا السياق؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما). واللعن هو الطرد من رحمة الله، وذلك لما في هذا الموضوع من فساد للمجتمع وظلم كبير، فكانت العقوبة اللعن. لا شيء يُبرر لأي منهم ما يفعله، فالوضع المادي والاجتماعي والمسؤوليات المالية وغيرها؛ ليست أسباباً تُبيح للمرتشي أن يقبل الرشوة. وكون المجتمع معتادٌ على مثل هذا الأمر وتفشيه في فئةٍ معينة؛ ليست أسباباً للراشي حتى يمشي مع التيار.
حاولت مجتمعات كثيرة من مختلف دول العالم محاربة الرشوة ولكن دون فائدة، قد تكون بعض المجتمعات وصلت إلى نسبة ضئيلة من الفساد؛ ولكن هذا لا يعني اختفاء هذه الظاهرة تماماً من مجتمعاتها. وهي موجودة في مجتمعنا وبكثرة للأسف، ونحن مَن يُساعد في انتشار هذه الظاهرة، لأننا نراها نُنكِرها، ولكننا لا نتوانى لحظة عن الخوْضِ فيها لو أُتيحت لنا الفرصة. وهُنا يكمن الحل، فينا نحن وليس في مؤسسات الدولة ولا في الموظفين العامين، نحن من يجب أن نضع حداً لمثل هذه الممارسات بدءاً من أنفسنا، فلو كُنا حريصين على مصلحة وطننا؛ لما سمحنا لمثل هذه الأمور أن تحدث تحت أنفنا ولا نفعل شيئاً سوى أن ننكره في قلبنا بوقتها؛ وبعد قليل نفعلها ونقول بأننا مضطرون.
أجهزة الدولة المختلفة مسؤولة عن الحدِّ من هذه الظاهرة، ولكن وقوفنا عند هذا الحد هو التواكل بعينه، فلقد ألغينا دورنا في تطوير مجتمعنا والحرص على سلامته. تدافعنا للواسطة لنوظف أبناءنا يقتل أحلام الكفاءات في الوظيفة، لأن فلان ابن فلان ذو التحصيل العلمي الأقل حصل على الوظيفة، لأن والده "بيمون" على فلان. ترسو المناقصة على فلان، لأن الوزير فلان من أقربائه، يخرج فلان من مشكلة عويصة؛ لأن فلان يكون أخوه. لحظة، نحن يا سادة مَن نفعل ما نُنكر؛ ثم نُنكر ما نفعل، نحن من نصنع المرض ثم ندعو بالشفاء؛ ولا نحاول أن نجد العلاج و دواء لنا. الحل البسيط والنهائي لمثل هذه الظاهرة السيئة وسِواها يبدأ بنا وينتهي بنا، نحن من أحدث الخلل في نسيج مجتمعنا، ونحن من نستطيع أن ننسِج خيوطه ونُحِيكَه ليكون اجمل وافضل عباءة نُفاخر بها العالم، بدلاً من الخرقة البالية التي جعلناها على حالها. نحن كأبناء سيدنا يعقوب، رمينا أخونا في البئر ورجعنا نبكي ونتهم الذئب. كلنا يتهم الدولة والفساد، حتى الفساد يا إخواني بريءٌ مِنَّا براءة الذئب من دم ابن يعقوب.


تعبيراتتعبيرات